ابن خلدون
410
رحلة ابن خلدون
إلى مذاهب كثيرة تشذّ عن الحصر . وأجمع أهل السّنّة على إنكار هذه الوصية ، وأن مستند الوجوب في ذلك إنما هو الاجتهاد ، يعنون أن المسلمين يجتهدون في اختيار رجل من أهل الحق والفقه والعدل ، يفوّضون إليه النظر في أمورهم . ولما تعدّدت فرق العلوية وانتقلت الوصية بزعمهم من بني الحنفيّة إلى بني العبّاس ، أوصى بها أبو هاشم بن محمد بن الحنفية إلى محمد بن علي بن عبد الله ابن عبّاس ، وبثّ دعاته بخراسان . وقام أبو مسلم « 1841 » بهذه الدعوة ، فملك ، خراسان والعراق ، ونزل شيعتهم الكوفة ، واختاروا للأمر أبا العباس السفّاح « 1842 » بن صاحب هذه الدّعوة ، ثم أرادوا أن تكون بيعته على إجماع من أهل السنّة والشيعة ، فكاتبوا كبار الأمة يومئذ ، وأهل الحل والعقد ، بالحجاز ، والعراق ، يشاورونهم في أمره ، فوقع اختيارهم كلّهم على الرضى به ، فبايع له شيعته بالكوفة بيعة إجماع وإصفاق ، ثم عهد بها إلى أخيه المنصور ، « 1843 » وعهد بها المنصور إلى بنيه ؛ فلم تزل متناقلة فيهم ، إما بعهد أو باختيار أهل العصر ، إلى أن كان المستعصم آخرهم ببغداد . فلمّا استولى عليها هولاكو وقتله ، افترق قرابته ، ولحق بعضهم بمصر ، وهو أحمد الحاكم من عقب الرّاشد ، فنصبه الظّاهر بيبرس بمصر ، بممالأة أهل الحلّ والعقد من الجند ، والفقهاء ، وانتقل الأمر في بيته إلى هذا الذي بمصر ، لا يعلم خلاف ذلك . فقال لهذا الرّافع : قد سمعت مقال القضاة ، وأهل الفتيا ، وظهر أنه ليس لك حقّ تطلبه عندي . فانصرف راشدا .
--> ( 1841 ) أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم الخراساني . له ترجمة واسعة في وفيات ابن خلكان 1 / 352 - 356 . ( 1842 ) أبو العبّاس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبّاس ( 104 - 136 ) وانظر تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 99 وما بعدها . ( 1843 ) أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ( 95 - 158 ) . تاريخ الخلفاء 101 - 106 .